ابن عربي

238

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

وروينا من حديث ابن أبي الدنيا ، قال : حدثنا قاسم بن هشام ، نبأ عصمة بن سلمان ، نبّأ فضل بن جعفر ، قال : خرج الحسن من دار ابن هبيرة ، وإذا هو بالقراء على الباب ، قال : ما أجلسكم هنا ؟ تريدون الدخول على هؤلاء ، أما واللّه ما مخالطتكم مخالطة الأبرار ، تفرقوا ، فرق اللّه بين أرواحكم وأجسامكم ، خصفتم نعالكم ، وشمرتم ثيابكم ، وجززتم رءوسكم ، فضحتم القراء ، فضحكم اللّه ، أما واللّه لو زهدتم فيما عندهم لرغبوا فيما عندكم ، ولكنكم رغبتم فيما عندهم فزهدوا فيما عندكم ، فأبعد اللّه من أبعد . خبر أساف ونائلة الأصنام روينا من حديث ابن إسحاق ، أن جرهم لما طغت في الحرم دخل رجل منهم بامرأة الكعبة ، ففجر بها ، ويقال : بل قبّلها ، فمسخا حجرين اسم الرجل : أساف بن بقاء ، واسم المرأة : نائلة بنت ذئب . فأخرجا من الكعبة ، فنصب أحدهما على الصفاء علما ، والآخر على المروة . وإنما نصبا هناك ليعتبر بهما الناس ، وينزجروا عن مثل ما ارتكبا ، لما يرون من الحال الذي صار إليه فلم يزل الأمر يدرس ويتقادم حتى صار يتمسح بهما من وقف على الصفا والمروة . فلما كان عمرو بن لحيّ أمر بعبادتهما وتعظيمهما والتمسح بهما : وقال : إنهما كانا معبودين لمن قبلكم . فلما كان قصيّ بن كلاب حوّلهما من الصفا والمروة ، فجعل أحدهما ملصقا بالكعبة ، وجعل الآخر في موضع زمزم . وكان يطرح بينهما ما يهدي للكعبة ، وكان يسمى ذلك الموضع الحطيم . وكان ينحر عندهما ويذبح ، ولم يكن يدنو منهما امرأة ظلمت . وفي ذلك يقول بشر بن أبي حزم الأسدي أسد خزيمة بيتا مفردا : عليه الطير ما يدنون منه * مقامات العوارك من أساف فكان الطائف إذا طاف بالبيت يبدأ بأساف ومستلمة ، فإذا فرغ من طوافه ختم بنائلة فاستلمها . فكان كذلك حتى كسرهما رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مع الأصنام يوم فتح مكة ، دخل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوم الفتح فكان بها ثلاثمائة وستون صنما حول الكعبة قد شد بالرصاص منها ، فطاف على راحلته وهو يقول : جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً ، ويشير إليها بقضيب في يده الكريمة على بعد لا يمسّها فما منها صنم أشار إلى وجهه إلا وقع على دبره ، ولا أشار إلى دبره إلا وقع على وجهه ، حتى وقعت كلها ، فلما صلى العصر أمر بها فجمعت ، ثم أحرقت بالنار . وفي ذلك يقول فضلة بن عمير بن الملوّح الليثي في يوم الفتح شعرا :